صورة الظاهر بيبرس في كتابات المستشرق الفرنسي رينيه غروسيه
8/13/2016
في كتابه الضَخم المَوسوم بتاريخ الحُروب الصَليبية الذي ظهر في ثلاثة مُجلدات بَين عامي 1934 : 1936 م ، يُخصص غروسيه مَساحة وافِرة مِن المُجلد الثالث للتأريخ للظاهِر بيبرس البِندقداري ، مُتخذاً مِنه مَوقفاً يَتصف بالعَداء ، ويَظهر ذلك بوضوح في مُستهل حَديثه عَنه ، فَيصفه بالحَيوان المُفترس والفَظّ والسُلطان العَبد ، صاباً جام حِقده عَلى حُكم المَماليك واصفاً إياه بالنظام الدَموي البَربري وأنهُ مَظهر مِن مَظاهر التَقهقُر التاريخي ، مُنحياً باللائمة عَلى أسياد عَكا لإسهَامِهم بتَسهيل حَركة المَماليك إلى فِلسطين ، في إخفاق ما أسماه صَليبية المَغول في عَين جالوت ، ويَذكر غروسيه أن الحُجاج المَسيحيين كانوا مُنذ أيام بيبرس يَتعرضون للاضطهاد والتَنكيل والسَلب والنَهب في أثناء تَوجههم على الطريق المُوصلة مِن عَكا أو مِن يافا لزيارة الأراضي المُقدسة ، فيما سَكت عَمداً عَن الإشارة إلى أن هؤلاء الحُجاج كانوا بمُعظمهم يَؤمون الشَرق حُجاجاً محُاربين ، مِما استدعى اتخاذ الإجراءات الأمنية اللازمة لمَنعهم مِن خَلق واقع عَسكري مُريب أثناء وجُودهِم في الأماكن المُقدسة ، ومن ذلك : تنظيم السُلطات المَملوكية مَسألة دُخول الحُجاج إلى الديار المُقدسة وخروجهِم مِنها بحَيث كان لا يُسمح للحُجاج بالدخُول إليها إلا في مَجموعات صَغيرة لا يَتجاوز عَدد كل مِنها عَشرة أنفار ، لضبط حَركتهم وحُسن مُراقبتهم ، وذلك لأسباب أمنية .
نُشير في هذا المَقام إلى أن سلاطين المَماليك قد التزموا بتَوفير الضمانات اللازمة لحَركة الحَج الأوروبي إلى الأماكن المُقدسة في فِلسطين، وتَرجموا ذلك بتعَهُدات صَريحة لا تَحتمل اللَّبْس ، تَضمَنتها نُصوص اتفاقيات الهُدن المَعقودة بَين المَماليك والإفْرِنج ، كان أولُها اتفاقية الهُدنة التي عَقدها الظاهِر بيبرس مَع أسياد عَكا عام 670 هـ : 1272 م ، والتي كَفل بمُوجبها السُلطان تَوفير الأمن عَلى الطريق المُوصلة مِن عَكا إلى الناصِرة ، ثُم تَرسخت هَذه الكفالة في عَهد السُلطان المَنصور سَيفُ الدين قلاوون في ما عُرف باتفاقية عَكا ، التي كانت أكثر تفصيلاً مِن سَابِقتها لجِهة تَسهيل أمر الحَج الأوروبي إلى الناصِرة ، ويُثير مُصطلح المَسيحيين الذي ما انفك غروسيه يَستخدمه في مَواضع مُختلفة مِن كتابه التباسات دلالية عَديدة ، حَيث يَذكر خلال حَديثه عَن حِصار بيبرس لـعَكا عام 665 هـ : 1267 م ، أن السُلطان بَعد أن عَجز عن أخذ المَدينة على حَد قَوله ، عَمِد إلى قَتل المَسيحيين الذين التقاهُم خَارج أسوارها دُون أن يُحدد هَوية هَؤلاء المَسيحيين ، وبالعودة إلى المَصادر المَوثوقة نَستطيع أن نُرجح أن أولئك المَسيحيين كانوا مِن الإفْرِنج المُكلفين بتأمين حِماية المَدينة مِن الخارج ومِن القادمين مِن المَناطق الصَليبية المُجاورة لنَجدة عَكا بعد أن فاجأها السُلطان بحِيلة حَربية كي يأخذها على حِين غِرَّة .
ويُحاول غروسيه أن يُظهر بيبرس بأنه لا يَتورع عَن قَتل رعاياه مِن المَسيحيين الآمنين دون أدنى مُسَوِّغ أو سَبب مُوجب إلا لكونهم مَسيحيين ، ويُمثل على ذلك بحَادثة هُجوم السُلطان على قارا وهي قرية قبلي حِمص غالب أهلها نَصارى وكانت آنذاك مَحطة للقَوافل التِجارية عَلى الطريق بَين حِمص ودِمشق ، فَيعلن دون تَعليل عَن دَهشته للقَسوة التي اعتمَدها بيبرس مع أهل قارا ، حين قَتل العَديد مِنهم بلا رَحمة أو شَفقة وسَبى أطفالهُم وسَاقهم إلى مِصر ، بَينما الواقع التاريخي يَشي بأن السَبب في ذلك يَعود إلى تَعاون سُكان قارا مَع المغول حين غَزوا البِلاد وأن أولئك السُكان اعتدوا عَلى أهل الضِياع المُجاورة وباعوا مَن وقع بأيديهم إلى الإفْرِنج فقَصدهُم السلطان عام 664 هـ : 1266 م، وقَتل بَعض سُكانها ورُهبانها وعَفا عَن الباقين بَعد أن شَفع لهُم كبير أعيانهُم أبو العز النَصراني المَعروف بـرَيس قار وِفق ما ذَكر المُؤرخ المُعاصر ابن شداد مُعللاً استجابة الظاهِر بيبرس لشَفاعة الأخير لِما لاقاه مِنه مِن حُسن الضِيافة قَبل أن يَتَسلطن ، مُشيراً إلى أن السُلطان أفاضَ نعِمه عَليه وأباح لهُ مَا كان مَحظوراً عَليه وجعَله شَجيً في حَلق أعادِيه .
يُصر المُستشرق الفِرنسي على الإمعان في تَشويه صُورة بيبرس حين يَعتبر مُبادرتة لإحياء الخِلافة العباسية شراً وبَلاًء على الإنسانية ، لأنها في نَظره أمَنت الشَرعية الدِينية للقاتِل وأضحى العَبدُ القَديم سَيداً للأمبراطورية الإسلامِية ، فهَل جَلب إحياء بيبرس الخِلافة الشَر والبَلاء على الإنسانِية فعلاً !
مِن نافل القَول إن إحياء الخِلافة العَباسية في القاهِرة أفاد مِنهُ بيبرس فوائد جَمّة ، ومِنها : إضفاء شَرعية دينية على دَوله ما كانت لتكتَسبها مِن أي مَصدر آخر مِما عَزز مَكانته وهَيبته في وَجه أعدائِه الكُثر في الداخِل والخارج ، وأضحَى المُسلمون في كُلِ مَكان يَنظرون إليه عَلى أنهُ حَامي الإسلام ، كما أن وجود الخَليفة العَباسي في القاهِرة وهُو مَصدر السُلطات في العالم الإسلامي كُله ، يَجعل السلطان بيبرس في مَرتبة أعلى مِن سَلاطين البِلاد الإسلامية الأخرى ، ولا سِيما أن الخَليفة الجَديد الذي أُعلن بإسم المُستنصر بالله لم يَتردد في تَقليد بيبرس سُلطاته الدُنيَوية ومَا سَيفتحه مِن أيدي الكُفار ، وإذا كان انتقال الخِلافة مِن العِراق إلى مِصر قَد اندَرَج في مَصلحة بيبرس وخُلفائه مِن بَعده ، فإن هَذه الخُطوة بالذات أشاعت جَواً مِن الإطمئنان في أوساط المُسلمين كافة ، بعد أن هَالهم سُقوط بَغداد وتَخريبها ، وشُغور مَقام مَرجعيتهم الرَوحية ، وهو أمر لم يَعتادوه مُنذ وفاة سيدنا مُحمد ﷺ مِما خَلق بَلبلة واضطراباً في صُفوفهم ، وفي ذلك يَقول المُستشرق البَريطاني توماس أرنولد : مِن الصَعب تَقدير الإرتباك الذي أحسَ به المُسلمون عِندما لم يَعُد هُناك خَليفة تَستنزلُ عَليه بَركات الله ، ولمْ يَسبق في تاريخ الإسلام حَادث مِثله .
وظل مَنصب الخِلافة شَاغراً ثلاث سِنين ونِصف السَنة إلى حِين تَوافرت لبيبرس فُرصة إحيائها في القاهِرة ، ليس لتأمين غِطاء ديني تَحتاج إليه دَولته الفَتية فحَسب ، بل أيضاً استجابةً لمَشاعر جُمهور المُسلمين ، خاصةً وأنَ هؤلاء كانوا في ذلك الوَقت لا يَزالون مُتعلقين بأهداب الخِلافة ، ناظرين إلى هذا المَقام الديني الرَفيع نَظرة إعتبار وإجلال ، كما كانوا يَترقبون بفارغ الصَبر برُوز مَن يَعمل على تَحقيق فِكرة إحياء الخِلافة وإعادة الشَرعية الدِينية إلى نِصابِها ، وهو أمر لَم يُدركه المُستشرق الفرنسي ، ويُشَدد غُروسيه على إجراء مُقارنة بَين بيبرس وخُلفائه أو قَياصِرة المَماليك حَسب تعبيره وبَين أسياد الإفْرِنج في الشام ، فثَمة حَيوانات مُفترسة ومُتوحشة في مُقابل بارونات يَنتسبون إلى جَماعة حَضارية مُرهفة المَشاعِر والأحاسيس ، حَيث يَصف الأسياد الإفْرِنج بأنهُم لَبقُون شُعراء مُولعونَ بالفُنون ، مُشتَرعون ليبراليون وفُصحاء ، مُفاضلاً بَين نَموذجين إثنين ، أحدهُما هو بيبرس هذا الحَيوان المُتوحش أما الآخر فهو بُوهيمند السادِس كُونت طرابُلس الشام ، الوَقور العزيز النَفس .
ويُتابع غروسيه حَملته البَشعة على بيبرس ، فيأخذ عَليه عَدم إحترامه للعهُود والحنث بالإيمان ، مُتهماً إياه بأنه خَاض ضِد الفِرنجة حَرب إبادة ، مُجارياً بذلك مَا سَبقه إليه المؤرخ الفِرنسي جوزيف ميشو توفي سنة 1839 م ، الذي لَم يَتردد في قَدح بيبرس بسَيل مِن الشتائِم أقلُها أنه بَربري دَعم حُكمه بالرذائِل ، وأنه العَدو الأكبر للمَسيحيين ، مُتجاهلاً أن حَرب المُسلمين مَعهُم كانت حَرباً دِفاعية هَدفت إلى إخراج المُحتل الأوروبي مِن بِلادنا ، وأن الإفْرِنج لم يَتردَدوا في إرتكاب المَجازر ، ليس في حَق المُسلمين واليَهود في بَيت المَقدس فَقط ، بَل في حَق مَسيحيي البلِقان والقُسطَنطينية نَفسِها ، مِما جَعل المؤرخ اللاتيني المُعاصر وليم الصُوري يُبدي استياءه واستِنكاره لسِياسة القَتل المُنظم التي انتهجها الإفْرِنج ، والتي لم يَنجُ مِنها الأطفال والنِساء والعَجزة ، فَوصفها بـالمَذبحة المٌخيفة ، كما أن ما اشتَهر مِن مَجازر رافقت حُروب الفْرِنجة في الشَرق الإسلامي جَعلت أسامة بن مُنقذ صَاحب كِتاب الإعتبار والذي عَرف الفْرِنجة عَن كثب ، في حَالتي الحَرب والسِلم ، يَنعتهم بأنهُم بَهائم ، فِيهم فَضيلة الشَجاعة والقِتال ليَس غير ، كما في البهائم فَضيلة القُوة والتَحمُل .


0 التعليقات